الشيخ السبحاني
231
رسائل ومقالات
الآخرة ، وأمّا غيرهم فالكرّامية والمجسّمة فقد جوّزوا رؤيته في الدارين بلا إشكال ، وأمّا أهل الحديث وبعدهم الأشاعرة فمع أنّهم يصفون أنفسهم بالتنزيه ويتبرّءون من التجسيم والجهة ، لكن قالوا برؤيته سبحانه يوم القيامة خضوعاً للرواية التي رواها الإمام البخاري في صحيحه . وهؤلاء تركوا صحيح النص في القرآن الكريم ، أعني : « لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ » « 1 » ، كما تركوا قضاء العقل الصريح وأخذوا بالرواية ، ولولا وجود هذا الحديث في الصحيح لما أخذوا بهذا القول ، ولكنّهم غفلوا عن أبسط الدلائل على امتناع الرؤية ، لأنّ الرؤية لا تخلو عن حالتين : إمّا تقع على الذات كلّها ، أو على البعض ؛ فعلى الأوّل يلزم أن يكون المرئي محدوداً متناهياً محصوراً شاغلًا لناحية من النواحي وتخلو النواحي الأُخرى منه ، وعلى الثاني يلزم أن يكون مركّباً متحيّزاً ذا جهة . إنّ فكرة الرؤية فكرة مستوردة جاءت من جانب الأحبار والرهبان بتدليس خاصّ . فإنّ أهل الكتاب يدينون برؤيته سبحانه ، وقد تصدّى أئمّة أهل البيت عليهم السلام لتلك الفكرة بخطبهم وأحاديثهم التي لا يسعنا إيرادها في هذا البحث . قال الإمام علي عليه السلام في خطبة الأشباح : « الأوّل الذي لم يكن له قبلُ فيكون شيء قبله ، والآخر الذي ليس له بعدُ فيكون شيء بعده ، والرادع أناسيّ الأبصار عن أن تناله أو تدركه » . « 2 » وقد سأله ذعلب اليماني فقال : هل رأيت ربّك يا أمير المؤمنين ؟ فقال عليه السلام : « أفأعبد ما لا أرى ؟ » فقال : كيف تراه ؟ فقال : « لا تدركه العيون بمشاهدة العيان
--> ( 1 ) . الأنعام : 103 . ( 2 ) . نهج البلاغة ، الخطبة 87 ، ط عبده .